بحث تفصيلي
الويب الموقع
الأربعاء 1431/9/29 هـ الموافق 2010/9/8 م (آخر تحديث) الساعة 2:0 غرينتش

اصرخي ايتها الارض الحبيبة، صيغة 1953
Thu, 04 Feb 2010 14:37:34 GMT
كان الدكتور عزرئيل كارليبخ المحرر الاول والمؤسس في صحيفة "معاريف"، ويبدو انه كان أهم صحفي عبراني في جيل النهضة. كان كاتبا نادرا وصهيونيا عظيما، وعندما مات وقفت تل أبيب كلها عن المسير وشيعه آلاف كثيرون.

نشرت كارليبخ في نهاية 1953 مقالة شديدة اللهجة استعير عنوانها من كتاب مشهور. كان العنوان "اصرخي ايتها الارض الحبيبة"، وهذه الطريقة التي ترجم عليها الى العبرية كتاب ايلان باتوم، الاديب من جنوب افريقيا. الكتاب هو رواية ينبع منها لائحة اتهام مذهلة لعنصرية ووحشية سلطة الفصل العنصري، التي نشأت في تلك السنين في جنوب افريقيا.
اخرجت دولة الفصل العنصري الكتاب خارج القانون من الفور، لكنه اصبح واسع الانتشار في العالم كله، ومسرحية مشهورة عرضت في اسرائيل الشابة في الخمسينيات.

ان مجرد اختيار كارليبخ اسم المقالة - اصرخي ايتها الارض الحبيبة - يشهد بمقارنة ليست رمزية كثيرا بين دولة اسرائيل الشابة ونظرتها الى العرب داخلها، ونظام حكم الفصل العنصري. كتبت المقالة على أنها رسالة يكتبها كارليبخ الى ابنته، ويبين فيها السياسة الاسرائيلية نحو ممتلكات العرب في اسرائيل واراضيهم ولا سيما في الجليل. فهو يحاول بلغة بسيطة ان يبين لابنته الصغيرة كيف يأخذون من مواطني الدولة العرب حقولهم واراضيهم.

هذا اقتباس قصير، لكنه يشهد جيدا على جوهر المقالة: "ثلة هنا وثلة هناك سترين قرى العرب. انهم الاقلية الذين ظلوا داخلنا. لست أعلم لماذا لم يهربوا. ربما لانهم لم يستطيعوا، وربما لانهم أملوا ألا تشتمل الدولة اليهودية على حقولهم. وربما لانهم أملوا انه حتى لو اشتملت فلن يصيبهم أي مكروه لان هذا ما وعد به اليهود على رؤوس الاشهاب. وأين حقولهم؟ - تسألين. لم تبق هذه يا ابنتي. ما الذي حدث للحقول؟ اخذوها ببساطة. كيف يمكن ذلك؟ - كيف يمكن أخذ أرض شخص آخر يوجد داخلنا وهو يسكنها ويفلحها؟ "آه، يا ابنتي" لا يوجد في هذا صعوبة تقنية. يحتاج من اجل ذلك الى القوة فقط. فاذا كانت في يدك قوة السلطة فانك تعلن مثلا آنذاك بأن هذه الحقول هي "منطقة مغلقة". وتحظر على كل انسان الوصول الى هناك بلا رخصة. وتعطي مقربيك فقط من افراد الكيبوتسات المجاورة الذين طمعوا في هذه الارض، الرخص. ولا تعطي العرب الذين يملكون الارض هذه الرخصة".

الصورة السياسية واضحة: فكارليبخ يثور بشجاعة في المقالة على أناس مبام، ومباي والاحزاب المتدينة التي انضمت من اجل امضاء القانون الملتوي الآثم لمصادرة ممتلكات عرفت على أنها "املاك غائبين"، حتى لو كان الغائبون (العرب) حاضرين تماما. بل ان كارليبخ يسوي بين الموظف الذي يمكث في القدس ويصادر اراضي العرب وبين الموظف الذي يصادر أملاكا يهودية في المانيا النازية، ويقول ان عينيه لا تريدان هذه التسويات "لا تريد بما أوتيت من قوة"، وتريد ان تعتقد ان الحديث فقط عن "حماقة" دخلت في عدد من الطامعين الذين اسكرتهم القوة.

انا، مع الاحترام كله لكارليبخ لا اوافق على التسوية بين الفصل العنصري واسرائيل. لكن مقالته تعلمنا درسا مهما في أهمية النقد الذاتي الصائب الحقيقي. عندما كتب كارليبخ هذه الاقوال كانت اسرائيل دولة صغيرة بغير أمن ومحاطة بالاعداء. لم يحجم عن التسوية بين سياستها والفصل العنصري في جنوب افريقيا او القوانين العنصرية. لم يستعمل كارليبخ، وهو الصحفي ذو الشعبية في جيله، قوته الكبيرة ليكتب نصوصا تنطف عسلا دعائيا عن عدالتنا وتعريف كل نقد موجه الى اسرائيل على انه معاداة للسامية او معاداة لاسرائيل. كتب نقده عن حب صهيوني كبير، وكان واضحا ان جروح المحب مخلصة. الجمهور من جهته ربما لم يحب كلامه الصائب لكنه كان منفتحا اليها، كما قبل انتقاد الترمان في حرب التحرير الذي حذر من ان الجيش الاسرائيلي ينفذ جرائم حرب.

النقد الذاتي هو الذي يميزنا من نظم حكم حولنا، وهو يشهد بديمقراطيتنا، وهو بخلاف اقوال الدفاع شهادة على قوة كبيرة لا على ضعف. كان كارليبخ، مثل الترمان وطنيا كبيرا، ووطنيا حقيقيا، لا مثل اولئك الذين يستعملون الفخر القومي ذريعة للامتناع من الاعتراف بالمظالم. وقد تذكرا تشخص الدكتور جونسون الذي قال: الشعور الوطني هو آخر ملاذ للوغد.

مر 57 سنة. أصبح كارليبخ وأبناء جيله موتى جميعا، ونحن الان في كثرة من الاوغاد.

نداف ايال
معاريف 03/02/2010


تعليقكم على الموضوع
تحميل ...
إسم
البريد الإلكتروني
العنوان
التعليق